يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
180
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
غيرك . فكل ويحك رزقك بالعز ولا تأكله بالذل . وقد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : مكتوب على ظهر الحب والنوى رزق فلان ابن فلان ، واللّه تعالى قد ضمن لك رزقك في كتابه وتكفل به وأقسم عليه ، وأنت لا تطمئن بوعده ولا تسكن إلى قوله وضمانه ، ولا تنظر إلى قسمه ، بل يضطرب قلبك ويهتم . فيا لها من فضيحة لو رأيت وبالها ، ويا لها من مصيبة لو علمت مآلها . وما تقول لو وعدك ملك من ملوك الدنيا أنه يضيفك الليلة ويعشيك ، وأنت حسن الظن فيه أنه صادق لا يكذب ، ولا يخلف الوعد ، بل لو وعدك بذلك سوقي أو يهودي أو نصراني أو مجوسي مستور عندك بظاهره عفيف في معاملته ، ألست تثق بوعده وتطمئن لقوله ولا تهتم لعشائك تلك الليلة اتكالا عليه . فما لك قد وعدك اللّه وضمن لك رزقك وتكفل به وأقسم عليه في غير موضع ، وأنت لا تطمئن لوعده ولا تسكن إلى قوله ، إذ يقول تعالى : خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ [ الروم : 40 ] وهذا يدل على أن الرزق من اللّه لا غير كالخلق . ثم لم يكتف بالأدلة حتى وعد فقال : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ [ الذاريات : 58 ] ثم لم يكتف بالوعد حتى ضمن فقال : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] ثم لم يكتف بالضمان حتى أقسم فقال : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [ الذاريات : 23 ] ثم لم يكتف بذلك كله حتى أمرنا بالتوكل عليه وأبلغ وأنذر ، فقال : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [ الفرقان : 58 ] ولما نزل قوله : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الذاريات : 23 ] قالت الملائكة : هلكت بنو آدم أغضبوا الرب حتى أقسم لهم على أرزاقهم . وعن الحسن رضي اللّه عنه : لعن اللّه أقواما أقسم لهم ربهم فلم يصدقوه . وعن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : أتطلب رزق اللّه من عند غيره * وتصبح من خوف العواقب آمنا وترضى بصراف وإن كان مشركا * ضمينا ولا ترضى بربك ضامنا وقال اللّه تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ المائدة : 23 ] ، وقال : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد اللّه أوثق منه بما في يده . ويروى عن إبراهيم الخواص رضي اللّه عنه قال : لقيت غلاما في التيه كأنه سبيكة